الحكومة البريطانية الجديدة أمام تحدي الموازنة بين النمو الاقتصادي واحتواء التضخم

تولى آندي برنهام، الذي يشغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ يوليو، مهامه في ظل أوضاع اقتصادية صعبة. فقد ظلت المملكة المتحدة تتعامل خلال النصف الثاني من عام 2026 مع مزيج معقد من ضعف النمو وارتفاع التضخم فوق المستوى المستهدف، وهي سمات تُميز بيئة الركود التضخمي.
وقد تعهد رئيس الوزراء الجديد، إلى جانب وزير الخزانة الجديد جون هيلي، بتبني “نموذج اقتصادي جديد” يركز على الاستثمار والتجديد الصناعي.
ناقش التقرير الأسبوعي لبنك قطر الوطني الأهلي ضغوط التضخم والنمو التي تواجه رئيس الوزراء الجديد ووزير خزانته، وما إذا كان التفاعل بين السياستين النقدية والمالية سيؤدي إلى احتواء مخاطر الركود التضخمي.
وأوضح أن اقتصاد المملكة المتحدة يشهد مخاطر واضحة مرتبطة بالركود التضخمي، فالنمو الاقتصادي يُعتبر بالكاد في المنطقة الإيجابية، فيما يظل تضخم أسعار المستهلك أعلى من النسبة المستهدفة من قِبل بنك إنجلترا البالغة 2%. وقد واجه الاقتصاد صعوبة في اكتساب الزخم، حيث نما بنحو 1% في كل من العامين الماضيين، مع توقع وتيرة مماثلة أو أضعف في عام 2026.
يعزى هذا التباطؤ إلى تقييد الإنفاق الاستهلاكي بفعل ارتفاع الضرائب وتجميد حدود الشرائح الضريبية، وارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، وضعف استثمارات الشركات، واستمرار الآثار المتأخرة لزيادات أسعار الفائدة السابقة. وبالإضافة إلى ذلك، بدأت مؤشرات سوق العمل تفقد بعض زخمها، مع ازدياد الحذر في عمليات التوظيف.
أما على صعيد التضخم، فقد بلغ التضخم الكلي في أسعار المستهلك ذروته في وقت سابق من العام، حين دفعت صدمة أسعار الطاقة العالمية التكاليف إلى الارتفاع. غير أنه حتى مع تراجع ضغوط أسعار الطاقة، لا يزال التضخم المحلي يتسم بدرجة كبيرة من الثبات. ويشير مكتب الإحصاءات الوطنية إلى استمرار المخاطر الناجمة عن نمو الأجور المحلية واستراتيجيات تسعير الشركات التي تتكيف مع موجات ارتفاع التكاليف السابقة.
وأشار التقرير إلي أن السياسة النقدية في المملكة المتحدة تُدار بصورة مستقلة عن الحكومة، حيث يتمتع بنك إنجلترا بتفويض يقتضي تحقيق استقرار الأسعار مع دعم الاقتصاد الأوسع نطاقاً.
ويجد بنك إنجلترا نفسه حالياً وسط معضلة ركود تضخمي محتملة، فخفض أسعار الفائدة بسرعة مفرطة قد يعيد إشعال ضغوط الأسعار والتضخم، في حين أن إبقاءها مرتفعة لفترة طويلة قد يعمّق حالة الركود وربما يدفع الاقتصاد نحو الانكماش. وقد أشار بنك إنجلترا إلى اتباع نهج “تدريجي وحذر”، مع إبقاء السياسة النقدية مقيّدة بدرجة محدودة عند 3.75%، وموازنة المخاطر المتداخلة المرتبطة بالأسعار والنشاط الاقتصادي، وعدم التحرك إلا عندما تصبح الأدلة المتعلقة بالتضخم الأساسي أكثر وضوحاً. وهذا يفسر سبب مقاومة لجنة السياسة النقدية للدعوات المطالبة بخفض أسعار الفائدة، وسبب دعوة أقلية متشددة من أعضائها إلى مزيد من التشديد، خشية أن يؤدي التيسير المبكر إلى ترسخ توقعات التضخم.
وأوضح التقرير أن مرونة السياسة المالية ستظل مقيدة بارتفاع مستويات الدين الحكومي وب
لقواعد المالية القانونية. وتُعد تكاليف الاقتراض الحكومي في المملكة المتحدة من بين الأعلى في الاقتصادات المتقدمة، حيث تدور عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات حول 5%، فيما يقترب الدين العام من 100% من الناتج المحلي الإجمالي. وتستحوذ تكاليف خدمة الدين الآن على حصة كبيرة من الإيرادات العامة، مما يترك هامشاً ضئيلاً للخطأ.
وقد أبدت الأسواق المالية حساسية تجاه الإشارات الأولية التي أفادت بأن الحكومة الجديدة قد تسعى إلى قدر أكبر من المرونة ضمن قواعدها المالية، حيث ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل في إشارة إلى عدم ارتياح الأسواق. ومن ثم، يتعين على الحكومة الجديدة أن تتحلى بالمصداقية وأن تكون مقنعة في خططها المالية المرتقبة للمساعدة في تثبيت تكاليف الاقتراض وإتاحة المجال لدعم النمو. وبعبارة أخرى، فإن مزيج السياسات وطريقة التواصل بشأنها لا يقلان أهمية عن مستوى أسعار الفائدة.
وتوقع QNB أن يحافظ بنك إنجلترا على موقف حذر قائم على البيانات، مع إبقاء السياسة النقدية مقيّدة بالقدر الكافي لإعادة التضخم إلى المعدل المستهدف دون خنق التعافي الهش بصورة غير ضرورية. وستحظى قرارات شهر سبتمبر المقبلة بمتابعة دقيقة لمعرفة كيفية موازنتها بين هذه المخاطر المتشابكة. وسيعتمد احتواء ضغوط الركود التضخمي ليس فقط على قرارات بنك إنجلترا، بل أيضاً على مدى اتساق إطار السياسات الأوسع الذي سيعتمده رئيس الوزراء الجديد ووزير الخزانة. وعلى وجه الخصوص، ستكون قدرة الحكومة الجديدة على طمأنة الأسواق بشأن انضباطها المالي، مع مواصلة السعي لتحقيق طموحاتها المتعلقة بالنمو والنموذج الاقتصادي الجديد، عاملاً حاسماً.






