الذهب أم العقار؟ أيهما أكثر أمانًا ومرونة لحفظ المدخرات وقت الأزمات؟

الذهب أم العقار؟ أيهما أكثر أمانًا ومرونة لحفظ المدخرات وقت الأزمات؟
كتبت: هدى حسين
في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، وارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد حالة عدم اليقين داخل الأسواق، يتجدد الجدل حول أفضل وسيلة لحفظ قيمة المدخرات، خاصة بين الذهب والعقارات باعتبارهما من أبرز الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها المواطنون والمستثمرون وقت التقلبات الاقتصادية. وبينما يرى البعض أن العقار هو الاستثمار الأكثر استقرارًا على المدى الطويل، يعتبر آخرون أن الذهب أصبح أكثر مرونة وقدرة على حماية الأموال في الفترات المضطربة.
ويرى وليد أبو الدهب، كبير محللي الأسواق المالية في arabictrader.com، أن الذهب يظل الخيار الأفضل عند الحديث عن الأمان السريع وقت الأزمات، لأنه أقرب إلى “احتياطي طوارئ” يمكن تسييله بسهولة وفي وقت قصير نسبيًا مقارنة بأي أصل استثماري آخر. وأوضح أن الذهب يتمتع بسيولة مرتفعة، إذ يمكن بيعه خلال ساعات عبر محال الصاغة أو شركات تداول السبائك، خاصة إذا كان في صورة سبائك أو جنيهات ذهبية معروفة المصدر وسهلة التقييم.
وأضاف أبو الدهب أن مرونة تسييل الاستثمار بين الذهب والعقارات تختلف بشكل واضح، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية أو حالات عدم اليقين. فالعقار، على العكس من الذهب، يُعد أصلًا منخفض السيولة نسبيًا بطبيعته، إذ يحتاج بيعه إلى وقت للبحث عن مشترٍ مناسب، والتفاوض على السعر وطريقة الدفع، ومراجعة الأوراق وتحضير العقود، وربما انتظار تمويل أو استكمال إجراءات قانونية، وهو ما قد يجعل عملية البيع تمتد لأسابيع أو حتى شهور، خاصة في فترات ضعف الطلب أو ارتفاع حالة القلق داخل السوق.
وأشار إلى أن تكلفة البيع المستعجل في الذهب غالبًا ما تكون أقل من العقارات، لكنها تختلف حسب نوع الذهب نفسه؛ فالسبائك والجنيهات الذهبية تتحمل عادة خسائر محدودة ناتجة عن فرق سعر البيع والشراء أو جزء من المصنعية والرسوم، بينما تكون خسائر المشغولات الذهبية أعلى بسبب المصنعية والدمغة والضرائب التي يتحملها المشتري عند الشراء ولا يستردها كاملة عند البيع، لذلك يبقى الذهب الاستثماري النقي أكثر كفاءة عند الحاجة إلى سيولة نقدية سريعة.
وأوضح أبو الدهب أن العقارات قد تتحمل خسائر أكبر عند البيع الاضطراري، لأن المالك يضطر أحيانًا إلى تقديم خصومات واضحة عن السعر العادل لجذب مشترٍ يمتلك سيولة نقدية جاهزة، إلى جانب تحمل تكاليف إضافية مثل ضريبة التصرفات العقارية في مصر البالغة 2.5% من قيمة البيع، فضلًا عن عمولات السمسرة والمصاريف القانونية الأخرى.
وأكد أبو الدهب أن العقار والذهب لا يمثلان نفس النوع من الاستثمار؛ فالعقار يمكن أن يحقق لصاحبه دخلًا منتظمًا من الإيجار، وهو ما يجعله مناسبًا لمن يبحث عن عائد شهري أو سنوي يساعده على تغطية المصروفات أو تكوين مصدر دخل إضافي، كما أن قيمة العقار نفسها قد ترتفع مع الوقت إذا كان في موقع جيد وبه طلب حقيقي. لكنه في المقابل يحتاج إلى رأس مال كبير، وقد يتحمل المالك مصروفات صيانة وضرائب وفترات بدون مستأجر.
وأضاف أن الذهب يختلف تمامًا في طبيعته، لأنه لا يمنح صاحبه دخلًا دوريًا، فالمستثمر في الذهب لا يحصل على إيجار أو عائد شهري، وإنما يعتمد على ارتفاع السعر لتحقيق الربح عند إعادة البيع. لذلك فالذهب يناسب أكثر من يريد الاحتفاظ بجزء من أمواله في أصل سهل البيع نسبيًا أو من يبحث عن حماية جزئية من تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، لكنه قد لا يكون الخيار الأنسب لمن يعتمد على استثماره للحصول على دخل ثابت ومنتظم.
ومن جانبه، قال وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير الأسواق المالية، إن العقار أصبح يواجه حالة من “الثقل” في حركة البيع نتيجة الركود التضخمي العالمي الحالي، موضحًا أن السوق العقاري لا يشهد ركودًا كاملًا، لكنه يعاني من بطء واضح في عمليات البيع والشراء بسبب ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية لدى شريحة كبيرة من المواطنين.
وأضاف النحاس أن العقار يُعد سلعة كبيرة يصعب تسييلها بسهولة، بعكس الذهب الذي يمكن تقسيمه وبيعه في صورة جرامات صغيرة أو سبائك بأوزان مختلفة، وهو ما يمنحه مرونة أكبر للمستثمرين وأصحاب المدخرات المحدودة. وأشار إلى أن الأزمات العالمية وارتفاع أسعار الطاقة ساهما في زيادة تكلفة استخراج الذهب، بالتزامن مع ارتفاع الطلب العالمي عليه من المستثمرين والبنوك المركزية، مما دفع أسعاره إلى مستويات قياسية.
وأكد النحاس أن التوقعات الحالية لا تشير إلى انخفاض قريب في أسعار الذهب، بل على العكس، يتوقع كثير من المحللين استمرار ارتفاعه خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تراجع الثقة في بعض العملات التقليدية عالميًا، وظهور مخاوف مرتبطة بتراجع هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي.
وانتقد النحاس الاتجاه السائد داخل السوق العقاري المصري نحو الإسكان الفاخر فقط، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من المشروعات الحالية لا يخاطب الطبقة المتوسطة أو محدودي الدخل، وهم الشريحة الأكبر داخل المجتمع، مما أدى إلى تراجع القدرة على البيع وارتفاع الاعتماد على أنظمة التقسيط والتمويل العقاري.
وأشار إلى أن الذهب أصبح بالنسبة للمستثمر الصغير وسيلة أكثر أمانًا لحفظ قيمة الأموال من التضخم، خاصة أنه لا يحتاج إلى مصاريف صيانة أو ضرائب أو التعامل مع مشكلات المستأجرين والمخالفات العقارية. ونصح النحاس المواطن الذي يستهدف الاستثمار فقط، وليس شراء وحدة بغرض السكن أو الانتفاع المباشر، بالتوجه إلى الذهب باعتباره أصلًا سهل التسييل ويحافظ على القيمة على المدى الطويل.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء الأسواق أن الاختيار بين الذهب والعقار لم يعد مرتبطًا فقط بفكرة الربح، بل بطبيعة الهدف من الاستثمار نفسه. فالعقار يظل أصلًا مناسبًا لمن يبحث عن دخل ثابت نسبيًا على المدى الطويل، بينما يبقى الذهب الخيار الأقرب لمن يريد السيولة السريعة والحفاظ على قيمة الأموال وقت الأزمات والتقلبات الاقتصادية.





