سوق العقارات في مصر.. بين الفراغ التشريعي ومخاوف “الفقاعة العقارية”

كتبت: هدى حسين
يواجه سوق العقارات في مصر خلال الآونة الأخيرة حالة من الجدل الواسع، وتحديات كبرى لا تتوقف عند الأبعاد الاقتصادية المتعلقة بالتضخم وزيادة الأسعار فحسب, بل تمتد لتشمل أزمات تشريعية تهم المطورين والمشترين على حد سواء. وفي هذا التحقيق، نسلط الضوء على جذور الأزمة ومستقبل القطاع من خلال الفصل بين الرؤية العقارية التحليلية للسوق، والرؤية القانونية الضامنة للحقوق.
ما هي جذور الأزمة العقارية الراهنة من واقع حركة السوق؟
يحلل عبد المجيد جادو، المعماري والخبير العقاري، أبعاد الأزمة وطروحات الحل؛ حيث يرى أن الأزمة الراهنة تعود في الأساس إلى حالة من الركود المصحوب بالتضخم، بالتزامن مع تراجع مستويات الدخول الحقيقية للأفراد، ويوضح ذلك في النقاط التالية:
فجوة العرض والطلب: يؤكد عبد المجيد جادو أن الانفتاح الكبير في عمليات البناء لم يسهم في حل المشكلة؛ لأن معظم المشروعات لم تُوجّه إلى المواطن متوسط أو محدود الدخل، بل خاطبت الفئات الأكثر ثراءً والطبقات العليا، مما أدى إلى ركود حاد في حركة الشراء.
تذبذب أسعار الخامات: يشهد قطاع التشييد ارتفاعات متتالية وغير منضبطة في أسعار المواد الخام والأراضي, مع غياب القدرة على توقع التكلفة المستقبلية، مما أدى إلى مبالغة شديدة في تسعير الوحدات العقارية مقابل تكاليف بنائها الفعلية، وتسبب في تعثر العديد من المطورين.
تغيير الثقافة السكنية المظهرية: ويشير عبد المجيد جادو إلى أن المجتمع المصري يميل إلى امتلاك شقق بمساحات ضخمة تفوق الحاجة الفعلية لساكنيها، مستشهداً بالتحول الفكري في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حين توجهوا لبناء وحدات “الاستوديو” والمساحات الصغيرة التي تسد الاحتياج الفعلي للفرد، وهو نمط يجب تفعيله محلياً لتقليل الأعباء.
طرح الأراضي بنظام “حق الانتفاع”: يقترح جادو أن تطرح الدولة الأراضي للمطورين بنظام حق الانتفاع بدلاً من البيع الكامل؛ مما يخفض تكلفة الأرض التي تمثل عادة نحو 30% من قيمة العقار، وينعكس بالتبعية على خفض السعر النهائي للمواطن.
تنشيط “التايم شير” والإيجارات المضمونة: يرى أن نظام حق الانتفاع يكون أكثر فاعلية في الشقق المصيفية والمناطق السياحية عبر أنظمة المشاركة كـ (Time-share). كما يشدد على أهمية فتح آفاق الإيجار بضمانات واضحة تنظمها الدولة لحماية المالك والمستأجر معاً، تلافياً لأزمات “قانون الإيجار القديم” التي تسببت في إفقار الملاك بسبب ثبات القيمة الإيجارية عند معدلات زهيدة لا تتماشى مع التضخم الحاصل.
تثمين المبادرات البنكية: يثمن جادو مبادرات البنك المركزي للتمويل العقاري طويلة الأجل الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل، والتي تتيح للشباب الحصول على مسكن ملائم بضمانات بنكية وطرق سداد ميسرة كخطوة أساسية لتخفيف الأعباء.
كيف ينظر المشرع والقضاء إلى هذه الأزمات وهل يعاني السوق من فراغ تنظيمي؟
على الجانب الآخر، يركز أشرف أبو عجيله, المحامي بالنقض والمحكّم القانوني والخبير في فض المنازعات العقارية، على غياب التنظيم الصارم وحالة الفراغ التشريعي التي يمر بها السوق، مبرزاً الآليات القانونية الحالية والمخاوف المستقبلية:
غياب التنظيم الشامل وفجوة العلاقة: يرى أشرف أبو عجيله أن سوق العقارات لا يخضع لتنظيم قانوني مُرتّب وصارم من قِبل الدولة، وهو ما يتطلب تدخلاً سريعاً ومباشراً من المشرع ومجلس النواب لتقنين الأوضاع، وتحديد الحقوق والواجبات بين المطور العقاري والمستهلك منعاً للخلافات وقت التنفيذ.
العقار “سلعة” والمشتري “مستهلك”: لمواجهة الأزمات الحالية، يشير إلى استقرار أحدث أحكام محكمة النقض المصرية على اعتبار العقار “سلعة”، وبذلك يكتسب المشتري صفة “المستهلك”. هذه الخطوة القانونية الكبيرة أخضعت النزاعات العقارية لقانون حماية المستهلك، ومنحت المحكمة الاقتصادية الصلاحية للتصدي لجرائم المطورين، مثل التأخر في تسليم الوحدات أو تغيير المواصفات المتفق عليها.
تفعيل القوانين الغائبة: يوضح أبو عجيله أنه بسبب زيادة تلاعب بعض الشركات، عاد المحامون لتفعيل نصوص قانونية كانت غائبة، مثل المادة 23 (الفقرة الثانية) من القانون رقم 136 لسنة 1981 (الخاص بإيجار وبيع الأماكن)، والتي تقر عقاباً حاسماً على البائع إذا أخل بمواعيد التسليم، أو بمواصفات البناء، أو إذا سلّم وحدة غير صالحة للسكن.
أين يتجه قطاع العقارات في ظل الانقسام حول آليات التسعير ومخاوف “الفقاعة”؟
يبرز أشرف أبو عجيله أن آليات البيع وتحديد الأسعار تثير انقساماً حاداً بين رؤيتين قانونيتين واقتصاديتين:
الرؤية المؤيدة لحرية السوق: ترفض التدخل الحكومي أو التسعير الجبري؛ لأن المطور يتحمل أعباءً مالية ضخمة (ضرائب، تأمينات، أجور عمالة، تعويضات)، وتقييد الأسعار قد يدفعه لغلق نشاطه أو العزوف عن الاستثمار.
الرؤية المحذرة من “الفقاعة العقارية”: تحذر من الفجوة الطبقية الخطيرة؛ إذ يستحيل على شاب بمستوى دخل متوسط (حتى وإن بلغ 15 ألف جنيه شهرياً) أن يشتري وحدة بملايين الجنيهات. ورغم جهود الدولة في الإسكان الاجتماعي، تظل التساؤلات قائمة حول كفايتها للزيادة السكانية.
وتكمن المخاوف الكبرى في حدوث “فقاعة عقارية” نتيجة تكدس وحدات بأسعار فلكية تفوق القدرة الشرائية الحقيقية، مما يهدد بتحولها إلى “استثمارات ميتة”؛ وهي كتل خرسانية غير مستغلة لا تخدم حتى المستثمر نفسه، لأن المبالغة في السعر تجمّد أرباحه بدلاً من تحويلها إلى مكاسب حقيقية.
وبين هذه الرؤى الاقتصادية والتشريعية المتشابكة، يبقى سوق العقارات في مصر بحاجة ماسة إلى صياغة استراتيجية موحدة تجمع أطراف المنظومة كافة. إن تجاوز مأزق “الركود التضخمي” ومخاوف “الفقاعة العقارية” لن يتحقق إلا بسد الفراغ التشريعي الحالي، وتبني حلول غير تقليدية تدعم القوة الشرائية الحقيقية للمواطن، وتضمن في الوقت ذاته استمرار الاستثمار العقاري كقاطرة للاقتصاد القومي، بعيداً عن المبالغات السعرية التي قد تحول الثروة العقارية إلى “استثمارات ميتة” لا تفيد بائعاً ولا تلبي حاجة مشترٍ.





