هل تظلمنا أحكام الشريعة أم يسرقنا النظام المالي الحديث؟
قدم وليد أبو الذهب محلل فني معتمد CFTe – كبير محللي الأسواق المالية المتداول العربي على قناته على اليوتيوب حلقة جديدة عن تحت عنوان الشريعة الإسلامية ظلمتني في مالي!.. وأحكام المعاملات تفتقر للدقة الاقتصادية!”
ونوه إلي أن هذه العبارة قد تبدو صادمة وصارخة، ولكنها في الحقيقة الفخ الذهني الذي يقع فيه الكثيرون اليوم، عندما يقرض أحدهم صديقاً مبلغاً كـ (10,000 جنيه) على سبيل “القرض الحسن”، ليعود إليه المبلغ بعد عامين كما هو دون زيادة، تجنباً لشبهة الربا.
هنا يتدخل المنطق الاقتصادي ليحسب الأزمة بالعقل؛ فالقوة الشرائية لتلك العشرة آلاف جنيه بعد عامين تآكلت بفعل ما نسميه اقتصاديًا بـ “التضخم” (Inflation)، لتصبح قيمتها الفعلية في السوق تعادل 8 آلاف جنيه أو أقل من قيمتها وقت الإقراض هنا يشعر المقرض بأن بركة ماله قد نُهبت، وهنا يثور السؤال الحقيقي: مَن المسؤول عن هذا التآكل؟ هل هي الشريعة الإسلامية.. أم قواعد الدولة الحديثة؟
الحقيقة كما يشير أبو الدهب التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الشريعة الإسلامية عندما وضعت أحكام المعاملات المالية، بنتها على عملة ذات قيمة جوهرية ثابتة في حد ذاتها وهي “الذهب والفضة”. لكن النظام الرأسمالي الحديث لم يرتضِ هذا الاستقرار، وفجر صدمته الكبرى عام 1971 حين ألغت الولايات المتحدة الأمريكية “الغطاء النقدي للذهب” (Gold Standard)، لتتحول العملات إلى مجرد أوراق تُطبع بلا غطاء حقيقي، وهو ما يُعرف بـ “النقد الإلزامي” (Fiat Money).

هذا النظام يطبع الورق بلا إنتاج حقيقي، فيخفّض قيمة المال في يدك، فهل تذهب لتهاجم الأحكام الشرعية؟ لا يا صديقي، اذهب وحل مشكلتك مع النظام النقدي الحديث، لا مع الدين!
الحل العملي من “أرض السوق” كما يعرضه وليد أبو الدهب عندما يضعف الورق، الحل هو العودة للأصل.. العودة إلى الذهب. إذا كنت بصدد إقراض شخص ما مبلغاً لمدد طويلة (سنة فما فوق)، فإن العرف الورقي الحالي سيجبرك على خسارة “القيمة الزمنية للمال” (Time Value of Money). لذا، فإن الحل الاقتصادي والقانوني الأذكى والأضمن شرعاً: “أقرض ذهباً.. واسترد ذهباً”. قِسْ قيمة المبلغ اليوم بما يعادله من جرامات الذهب (عيار 21 مثلاً)، واجعل الاتفاق على استرداد نفس وزن الجرامات بعد فترة. هكذا تحمي تعبك وقوتك الشرائية تماماً وتخرج من مقصلة التضخم وشبهة الربا.
فلسفة القرض: بزنس أم تكافل؟
وقال أبو الدهب، الفارق الجوهري بين الاقتصاد الإسلامي والرأسمالية يكمن في النظرة للمال والزمن؛ في الرأسمالية “الوقت هو المال” (Time is money) والقرض يجب أن يولد فائدة مادية. أما في الإسلام، فالقرض ليس أداة استثمارية للأفراد (مكانه المشاركة والمرابحة وتحمل الربح والخسارة)، بل أن القرض أو السلف أو الدين هو “أداة تكافلية اجتماعية لفك الكرب”.
لقد جرد الدين القرض من العائد المادي لينقله بالكامل إلى العائد التعبدي والاستثمار مع الله وخلاصة القول أن النظام الورقي الحديث أقنعنا بأن كل العلاقات مصالح مادية بحتة، وأنسانا قيم التراحم. احمِ مالك بالذهب في المدد الطويلة، واترك الباقي على الله في القرض الحسن.




