مو إبراهيم: على جيلنا أن يعترف بالفشل.. والأمل في شباب أفريقيا الذين لا ينتظرون التمكين

ناقشت جلسة حوارية مع مو إبراهيم، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة مو إبراهيم، ضمن فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث Cairo Forum2026 ، أبرز التحديات التي تواجه التنمية في أفريقيا، وفي مقدمتها ضعف الحوكمة، وارتفاع تكلفة رأس المال وأعباء الديون، والتدفقات المالية غير المشروعة، إلى جانب سبل تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الأفريقية وتمكين الشباب من قيادة التغيير.
أدارت الجلسة الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، حيث تناول الحوار محركات التغيير اللازمة لتحقيق تحول اقتصادي واجتماعي مستدام في القارة، ودور الحكم الرشيد وسيادة القانون في دعم التنمية، فضلا عن أهمية إنشاء سوق أفريقية مشتركة وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
وجه مو إبراهيم رسالة إلى الشباب الأفريقي، دعا خلالها الأجيال السابقة إلى الاعتراف بإخفاقاتها في إدارة مرحلة ما بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن عددا من الدول الأفريقية كان يتمتع عند الاستقلال بأوضاع اقتصادية أفضل مما وصل إليه لاحقا، بل إن بعضها كان في وضع أفضل من دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة.
وأكد أن الأمل في مستقبل القارة يرتبط بالشباب الذين يتمتعون بمستويات أفضل من التعليم والاطلاع على المعلومات مقارنة بالأجيال السابقة، مشددا على أن التغيير لن يتحقق بمجرد الحديث عن تمكين الشباب.
وقال إبراهيم إن الشباب لا يحتاجون إلى انتظار الأجيال الأكبر سنا حتى تمنحهم القدرة على التأثير، بل عليهم المبادرة وتولي زمام الأمور بأنفسهم، مضيفا أن انتظار الآخرين لتمكينهم لن يقود إلى النتائج المطلوبة.
وشدد إبراهيم على أن الحكم الرشيد يمثل أحد المحركات الرئيسية للتغيير في أفريقيا، موضحا أن التنمية لا تقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي أو تحسين خدمات الصحة والتعليم، وإنما تتطلب أيضا توفير الأمن والأمان للمواطنين، واحترام حقوقهم، وتعزيز سيادة القانون والمشاركة.
وأشار إلى أن الدول قد تحقق تقدما اقتصاديا في بعض المراحل، لكنها ستظل معرضة لأزمات كبيرة إذا لم تتمكن من ضمان أمن المواطنين وحماية حقوقهم، مؤكدا أن ضعف الحوكمة يظل من أبرز التحديات التي تعرقل التنمية المستدامة في القارة.
وفيما يتعلق بحقوق الإنسان والعنف ضد المرأة، لفت إلى أن وجود مزيدا من القوانين لم ينعكس بالضرورة على أداء الدول الأفريقية في مجالات الأمن وسيادة القانون وحماية الحقوق، بما يعكس الفجوة بين التشريعات والتطبيق الفعلي.
وأعرب إبراهيم عن قلقه إزاء الارتفاع الكبير في تكلفة رأس المال في أفريقيا، موضحا أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الديون التي تتحملها الدول، وإنما أيضا بأسعار الفائدة المرتفعة التي تدفعها مقابل الاقتراض، وهو ما يحد من قدرتها على توجيه الموارد إلى الاستثمار والتنمية.
وقارن بين تعامل الأسواق والمؤسسات الدولية مع مستويات الدين في الدول الأفريقية ونظيراتها المتقدمة، مشيرا إلى أن الدول الأفريقية قد تواجه ضغوطا عند مستويات دين أقل بكثير من المستويات المسجلة في دول مجموعة السبع، في ظل اختلاف تكلفة الاقتراض وشروط التمويل.
وأضاف أن ارتفاع العائد المطلوب على الاستثمارات الأفريقية يمثل عقبة كبيرة أمام جذب رؤوس الأموال، داعيا إلى مناقشة مدى استناد المخاطر التي يجري تسعيرها إلى عوامل موضوعية، ومدى ارتباطها بتصورات سلبية عن القارة.
وأكد أن معالجة هذه المشكلة ضرورية لتشجيع الاستثمار وتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص التنمية في الدول الأفريقية.
وتطرق إبراهيم إلى قضية التدفقات المالية غير المشروعة، مشيرا إلى أن أفريقيا تخسر نحو 90 مليار دولار سنويا نتيجة هذه التدفقات، وهو ما وصفه بأنه تحد كبير يستدعي تحركا دوليا أكثر فاعلية.
وأوضح أن هذا الرقم يعادل نحو ضعف حجم المساعدات المقدمة إلى القارة، معتبرا أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الأموال الأفريقية التي تخرج بطرق غير مشروعة، بدلا من الاعتماد على المساعدات الخارجية.
وأشار إلى أن المؤسسة عملت على طرح القضية في المحافل الدولية، بما في ذلك مجموعة العشرين، وأسهمت جهودها في دفع جهات دولية إلى مناقشة إجراءات وتوصيات بشأنها، لكنه شدد على أن ترجمة هذه الجهود إلى خطوات تنفيذية ملموسة لا تزال تمثل تحديا.
وأكد إبراهيم ضرورة العمل على إنشاء سوق أفريقية مشتركة، وإزالة الحواجز التي تعوق انتقال السلع والأشخاص بين الدول، معتبرا أن استمرار القيود الحدودية وتعدد القواعد واللوائح والاتفاقيات التجارية الوطنية يضعف قدرة القارة على تحقيق مصالحها الاقتصادية.
وقال إن الدول الأفريقية، البالغ عددها 54 دولة، لا تستطيع التفاوض بصورة متكافئة مع قوى اقتصادية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين إذا تحركت كل دولة بمفردها، داعيا إلى تعزيز العمل الجماعي والتفاوض باسم القارة.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استعداد الدول الأفريقية للتنازل عن بعض عناصر السيادة لصالح الاتحاد الأفريقي، بما يسمح ببناء سوق مشتركة قادرة على دعم التجارة والاستثمار وتعزيز القوة التفاوضية للقارة.
واستشهد بالتجربة الأوروبية، معتبرا أن السوق الأوروبية المشتركة تمثل إحدى أبرز قصص النجاح الاقتصادي في أوروبا، وأن التكامل الاقتصادي الأفريقي يمكن أن يحقق مكاسب مماثلة إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة.
تناول إبراهيم أهمية توافر البيانات الموثوقة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أفريقيا، مشيرا إلى وجود فجوات كبيرة في البيانات التي تحتاج إليها المؤسسات وصناع القرار لفهم واقع القارة وتقييم أدائها.
وأوضح أن مؤسسة مو إبراهيم تعمل على جمع البيانات من مصادر متعددة، مستفيدة من شبكة تضم 51 مصدرا للبيانات، إلى جانب اتفاقيات مع جهات ومؤسسات دولية تمتلك بيانات عن أفريقيا.
وأكد أن إتاحة البيانات الموثقة تتيح تقييم أداء الدول في مجالات الحوكمة والأمن وسيادة القانون والحقوق، وتساعد على تحديد أوجه القصور ومتابعة مدى استجابة الحكومات للمؤشرات والتوصيات.
واختتم إبراهيم بالتأكيد على أن أفريقيا بحاجة إلى تحديد موقعها في عالم يمر بمرحلة استثنائية من الاضطرابات والتحولات، وأن تجاوز التحديات الراهنة يتطلب حوكمة أفضل، وتكاملا اقتصاديا أوسع، ومعالجة أعباء التمويل والديون، إلى جانب منح الشباب مساحة حقيقية لقيادة مستقبل القارة.





