النفط يتراجع.. فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود؟

كيف تنتقل أزمة الديزل والطاقة العالمية إلى مصر

النفط يتراجع.. فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود؟

تواجه أسواق الطاقة مفارقة لافتة: أسعار النفط الخام تراجعت من قممها التي سجلتها خلال العام، لكن أسعار الديزل لا تزال عند مستويات قياسية. وفي الولايات المتحدة وصل متوسط سعر الديزل إلى أعلى مستوياته التاريخية، ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى تأييد فكرة وقف صادرات الديزل الأمريكية في محاولة لزيادة الكميات المتاحة داخل السوق المحلي وخفض الأسعار، لكن حتى الآن لم يُفرض الحظر
وزير الطاقة الأمريكي يعارض الفكرة ويرى أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأن تقليل قدرة المصافي على التصدير قد يدفعها إلى خفض الإنتاج، بما يؤثر أيضًا في البنزين ووقود الطائرات.
وهذا ما يجعلنا نطرح سؤال آخر:
لماذا أصبحت أزمة الوقود أكبر من مجرد ارتفاع سعر النفط؟
لماذا أصبح الديزل أغلى بهذا الشكل؟
لفهم الأزمة يجب التمييز بين «النفط الخام» و«الوقود المكرر».
النفط الخام هو المادة الأولية، أما الديزل والبنزين ووقود الطائرات فهي منتجات يجب تصنيعها داخل المصافي. وبالتالي يمكن أن يتوافر النفط نسبيًا بينما يظل الديزل نادرًا إذا تعطلت المصافي أو انخفضت قدرتها على الإنتاج وهذا هو جوهر الأزمة الحالية.
الحرب في الشرق الأوسط قلصت صادرات الوقود من المنطقة، بينما أدت الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية إلى خفض إنتاج أحد أهم مصدري الديزل في العالم، ثم فرضت روسيا قيودًا على صادراته.
وفي الوقت نفسه تعمل كثير من المصافي الأمريكية والعالمية بالقرب من طاقتها القصوى، ما يعني أن قدرة السوق على إنتاج كميات إضافية بسرعة محدودة.
والنتيجة أن المشكلة لم تعد مجرد ارتفاع سعر برميل النفط، وإنما نقص في «المنتج النهائي» الذي تحتاج إليه الشاحنات والقطارات والزراعة والصناعة. ولذلك يمكن لارتفاع الديزل أن ينتقل تدريجيًا إلى تكلفة النقل والسلع والغذاء، ومن ثم إلى التضخم.
أين السبب الحقيقي؟
ترامب قال إن الارتفاع العالمي في أسعار الديزل يرتبط بدرجة كبيرة بالحرب الروسية الأوكرانية وضرب المصافي الروسية، وطالب أوكرانيا بوقف استهداف منشآت الوقود الروسية، لكن لا يمكننا القول أن هذا هو السبب الوحيد فقراءة بيانات السوق تظهر أن الأزمة أوسع من عامل واحد
صادرات الديزل من الشرق الأوسط انخفضت إلى نحو النصف خلال عدة أشهر، والمخزونات الأمريكية والأوروبية هبطت إلى مستويات منخفضة، كما تراجعت الإمدادات الروسية وتضررت حركة الطاقة عبر الشرق الأوسط. لذلك فالأدق اقتصاديًا اعتبار الأزمة نتيجة تزامن عدة صدمات في التكرير والنقل والإمدادات، وليست نتيجة حرب واحدة فقط.
فعندما تعطلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في بداية الحرب، ظهرت سيناريوهات شديدة التشاؤم.
قُدر وقتها أن استمرار التعطل حتى نهاية العام قد يدفع برنت نحو 200 دولار للبرميل، بينما طُرح في سيناريوهات أخرى امكانية وصوله إلى 150 دولار إذا استمرت خسائر الإمدادات الخليجية. لكن هذه كانت سيناريوهات مشروطة باستمرار أسوأ ظروف الإمداد، وليست توقعات مؤكدة.
ثلاثة عوامل منعت أزمة الإمدادات من التحول إلى انفجار كامل في أسعار النفط
رغم اضطراب جزء مهم من إمدادات الشرق الأوسط، تمكن السوق العالمي من امتصاص جانب كبير من الصدمة بفضل ثلاثة عوامل رئيسية عملت في الوقت نفسه.
أولا: نجحت السعودية والإمارات في تحويل جزء من صادراتهما بعيدًا عن مضيق هرمز، عبر خطوط أنابيب تصل مباشرة إلى البحر الأحمر وخليج عُمان. وأتاح ذلك استمرار تدفق كميات مهمة من الخام إلى الأسواق حتى مع اضطراب حركة الملاحة في المضيق.
ثانيا: جاء تراجع الطلب الصيني في توقيت بالغ الأهمية. فالصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، خفضت وارداتها واستهلاكها خلال ذروة الأزمة، وهو ما خفف الضغط على سوق كان يعاني أصلًا من نقص في المعروض.
ثالثا: تدخل الحكومات عبر احتياطيات النفط الاستراتيجية. فقد ضخت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية كميات ضخمة من مخزونات الطوارئ لتعويض جزء من الإمدادات المفقودة وتهدئة الأسعار.
وبالتالي، لم تختفِ أزمة الإمدادات، لكن السوق وجد مصادر بديلة للخام، وواجه طلبًا أضعف من الصين، وحصل على دعم استثنائي من المخزونات الاستراتيجية. هذا المزيج هو ما حدّ من ارتفاع الأسعار ومنع السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا من التحقق.
المعادلة تغيرت، وتغيرت نبرة السوق ايضا
جزء كبير من مخزون الطوارئ الذي شكل وسادة حماية في بداية الأزمة تم استهلاكه بالفعل، بينما أصبحت مخزونات المنتجات المكررة منخفضة، لذلك أصبح هامش الأمان أقل مما كان عليه قبل عدة أشهر، وفي المقابل ظهرت خلال الأيام الأخيرة أخبار إيجابية للنفط الخام: السعودية أعادت تشغيل خط شرق-غرب، وارتفعت التدفقات الخليجية، كما ظهرت إشارات إلى إمكانية تحسن حركة الشحن عبر هرمز. ولهذا تراجع برنت إلى قرب أدنى مستوياته في أسبوعين.
وهذا يفسر المشكلة: الضغط على سوق النفط الخام بدأ يهدأ نسبيًا، لكن أزمة الديزل لم تنتهِ.
فأسعار وهوامش تكرير الديزل سجلت مستويات قياسية، لأن المشكلة الحالية لم تعد مجرد نقص في الخام، وإنما نقص في قدرة العالم على تحويل الخام إلى وقود مكرر بالكمية المطلوبة وفي الأماكن المطلوبة.
انخفاض سعر النفط لا يعني بالضرورة انخفاض سعر الوقود فورًا
سعر الوقود يتأثر بسعر الخام، لكنه يتأثر أيضًا بطاقة المصافي، والمخزونات، وتكاليف النقل، والقيود على الصادرات، ومكان وجود الإمدادات ولهذا نشاهد حاليًا سوقين مختلفين نسبيًا: النفط الخام يستفيد من تحسن الإمدادات الخليجية، بينما لا يزال الديزل يعاني من أزمة نقص عالمية أكثر حدة.
كيف تنتقل أزمة الديزل والطاقة العالمية إلى مصر؟
مصر تتأثر مباشرة بأزمة الطاقة العالمية، لكنها لا تتأثر بالطريقة نفسها التي نراها في الولايات المتحدة أو أوروبا.
أسعار البنزين والسولار في محطات الوقود المصرية لا تتحرك يوميًا مع الأسعار العالمية، بل تحددها الدولة، ولذلك تكون الصدمة الأولى عادة في «تكلفة توفير الوقود على الدولة» قبل أن تظهر في السعر الذي يدفعه المستهلك.
وحاليًا ما تزال الأسعار الرسمية المعلنة في مصر عند 20.5 جنيه للتر السولار، و20.75 جنيه لبنزين 80، و22.25 جنيه لبنزين 92، و24 جنيهًا لبنزين 95، وهي الأسعار التي أقرتها الحكومة في مارس الماضي خلال موجة الارتفاع الحادة في أسواق الطاقة. وزارة البترول أوضحت وقتها أن زيادة الأسعار جاءت نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج والشحن والتأمين بسبب الاضطرابات الإقليمية.
الجدير بالذكر أن مصر تنتج جزءًا كبيرًا من احتياجاتها من السولار محليًا، لكنها ما زالت تحتاج إلى الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتشير أحدث البيانات المتاحة إلى تحسن واضح في الإنتاج المحلي خلال 2026. ففي أبريل وصل معدل الاكتفاء الذاتي من السولار إلى نحو 68%، مقابل أقل من النصف قبل عام، كما ارتفع إنتاج السولار المحلي بقوة. وفي الوقت نفسه أظهرت بيانات الواردات أن مصر ظلت تستورد كميات معتبرة من الديزل خلال العام، حتى وإن كانت أقل من مستويات 2025 في بعض الأشهر.

وهذا يعني شيئًا مهمًا جدًا: حتى إذا انخفض خام برنت، فقد لا تنخفض تكلفة السولار على مصر إذا ظل سعر الديزل المكرر عالميًا مرتفعًا.
وهنا تظهر نفس المفارقة التي تحدثنا عنها في السوق العالمية. مصر لا تشتري «برنت» فقط، بل تستورد أيضًا منتجات بترولية جاهزة، وفي مقدمتها السولار. وبالتالي عندما تتسع الفجوة بين سعر الخام وسعر الديزل المكرر – وهو ما يسمى في السوق بارتفاع refining margins أو diesel crack spreads – ترتفع فاتورة مصر حتى لو هدأ سعر النفط الخام نفسه.
من يتحمل الزيادة أولًا: المستهلك أم الدولة؟
في البداية، تتحمل هيئة البترول جزءًا كبيرًا من الصدمة إذا ظل سعر البيع المحلي ثابتًا. فإذا لم ترفع الحكومة سعر البيع للمستهلك، تتسع الفجوة بين «التكلفة الحقيقية» و«سعر البيع»، وبالتالي يرتفع العبء المالي على الدولة. وهذه ليست فرضية نظرية؛ فقد حدث بالفعل شيء مشابه هذا العام. رئيس الوزراء أعلن في مارس أن تكلفة واردات الطاقة المصرية قفزت بشدة بعد اندلاع أزمة الشرق الأوسط، بينما ارتفعت تكلفة الغاز الطبيعي المستورد وحده من نحو 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا.
هل يعني ذلك أن أسعار السولار في مصر سترتفع قريبًا؟
لا توجد حتى الآن، وفق المصادر الرسمية حتى 23 سبتمبر، زيادة جديدة معلنة في أسعار الوقود بعد تعديل مارس. ولذلك لا يمكن القول إن زيادة جديدة «ستحدث» في موعد معين. لكن اقتصاديًا، استمرار ثلاثة عوامل معًا سيرفع احتمالات تعرض الأسعار المحلية لضغوط مستقبلية:
ارتفاع سعر الديزل المكرر عالميًا، واستمرار ارتفاع تكلفة النفط والغاز المستورد، وأي ضعف في سعر الجنيه أمام الدولار. أما إذا استمر تراجع الخام وتحسن تدفق الإمدادات العالمية وعاد إنتاج المصافي تدريجيًا، فقد ينخفض جزء من الضغط على فاتورة الاستيراد حتى قبل أن تظهر أي استجابة في أسعار محطات الوقود.
لكن وضع مصر أفضل نسبيًا مما كان عليه قبل عام
وزارة البترول تقول إن معامل التكرير المصرية رفعت معدلات التشغيل خلال العام المالي 2025/2026، وأن كمية الخام المكرر ارتفعت إلى نحو 28 مليون طن مقابل 25.3 مليون طن في العام السابق، مع زيادة ملحوظة في إنتاج السولار منذ مارس. كما تؤكد الوزارة أنها نجحت في توفير كامل احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية. إذن مصر ليست في الوضع نفسه الذي تكون فيه دولة تعتمد بالكامل تقريبًا على استيراد الديزل
الخلاصة بالنسبة لمصر
بالنسبة لمصر، لا تعني أزمة الديزل العالمية أن أسعار الوقود المحلية سترتفع فورًا، لأن أسعار المحطات تحددها الدولة ولا تتحرك يوميًا مع الأسواق العالمية. لكن الأزمة ترفع أولًا تكلفة استيراد وتوفير الوقود على هيئة البترول، خاصة أن مصر ما زالت تعتمد على الواردات لتغطية جزء من احتياجاتها من السولار. والمشكلة الحالية أن أسعار الديزل المكرر ارتفعت بأكثر من النفط الخام نفسه، ولذلك قد تظل فاتورة الاستيراد مرتفعة حتى مع تراجع برنت. وفي المقابل، يساعد ارتفاع إنتاج المصافي المصرية خلال 2026 على تخفيف جزء من هذه الضغوط.
وإذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، يصبح التأثير الأوسع على الاقتصاد من خلال تكلفة النقل والزراعة والصناعة والتضخم، وليس فقط من خلال السعر المكتوب على مضخة الوقود. أي أنه حتى إذا أبقت الحكومة سعر لتر السولار ثابتًا، يمكن أن تصل الأزمة إلى المستهلك بطريقة غير مباشرة فالسولار يدخل في تشغيل الشاحنات ونقل السلع والزراعة والإنشاءات وبعض الأنشطة الصناعية. ولذلك، إذا ارتفعت تكلفة توفيره أو ارتفع سعره محليًا في مرحلة لاحقة، تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى تكلفة النقل > تكلفة الإنتاج > أسعار السلع > التضخم. ولهذا كانت الحكومات المصرية تاريخيًا أكثر حذرًا في تحريك سعر السولار تحديدًا مقارنة ببعض أنواع البنزين
وليد أبو الدهب
كبير محللي الأسواق المالية بشركة المتداول العربي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
شريط الأخبار
بعد تثبيت الفائدة.. أين تقف عوائد شهادات الادخار في البنوك المصرية؟ النفط يتراجع.. فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود؟ لماذا ثبت البنك المركزي المصري الفائدة؟ سعر الدولار اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 البنك المركزي يثبت الفائدة مرابحة السيارة من مصرف أبو ظبي الإسلامي.. تمويل مرن وخطط سداد متنوعة كم يحقق 100 ألف جنيه من شهادة الخير؟ التجاري وفا بنك يطرح بطاقة Platinum الدولارية لعشاق السفر بنك قناة السويس يتيح تقسيط iPhone 18 Pro حتى 18 شهرًا بدون فوائد بنك الإمارات دبي الوطني يحذر من الاحتيال عبر ماكينات الصراف الآلي البنك الأهلي المصري يحذر من صفحات وهمية تروج لشهادات استثمار بعوائد كبيرة خصم 20% من QNB مصربمناسبة العودة للمدارس بنك التعمير والإسكان يحذر من الاحتيال عبر ماكينات الصراف الآلي العربي الأفريقي الدولي يحذر من الاحتيال عبر ماكينات الصراف الآلي أسعار الذهب اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 في مصر سعر الدينار الكويتي أمام الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر الجنيه الاسترليني أمام الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر الدينار الكويتي أمام الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر الدرهم الإماراتي أمام الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر اليورو أمام الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر الريال السعودي مقابل الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الخميس 24-9-2026 لماذا يشتري البنك الأهلي فروع بنك مصر في الإمارات؟ يحيى أبو الفتوح يتسلم جائزة AFASU الذهبية بنك القاهرة يتيح خصم 20% على طلبات الأكل والبقالة البنك الأهلي المصري يعلن إطلاق «دليل أكسفورد للاقتصاد المصري» العربى الافريقى الدولى يحقق نتائج ملموسة في مكافحة الاحتيال استقرار أسعار الذهب اليوم الأربعاء.. عيار 21 يسجل 6270 جنيهًا سعر اليورو أمام الجنيه اليوم الأربعاء 23-9-2026