العجمي يكتب موجة تضخم جديدة
في مقال جديد بجريدة الوفد يوم الاثنين 11 مايو 2026 تناول الكاتب الاقتصادي الدكتور محمد عادل العجمي، مدير تحرير جريدة الوفد ورئيس اللجنة النقابية مشكلة التضخم مؤكدة أن الفترة القادمة ستشهد موجة من التضخم بسبب استمرار الحرب وهذا نص المقال
فى الوقت الذى كان فيه العالم يلتقط أنفاسه تدريجيًا بعد سنوات من التضخم المرتفع، جاءت الحرب على إيران لتعيد المخاوف الاقتصادية إلى الواجهة من جديد، ليس فقط بسبب التصعيد العسكرى، ولكن بسبب التأثير المباشر على أسواق الطاقة العالمية، التى تُعد المحرك الأهم للتضخم فى الاقتصادات الكبرى.
خلال الأشهر الماضية، كانت البنوك المركزية حول العالم تقترب من نهاية واحدة من أعنف دورات رفع أسعار الفائدة فى التاريخ الحديث، بعدما بدأت معدلات التضخم فى التراجع تدريجيًا عقب ذروة وصلت إلى 9% بعد جائحة كورونا. وكان هناك تفاؤل بأن عام 2026 قد يشهد عودة الاستقرار النقدى وخفضًا تدريجيًا للفائدة، لكن التطورات الجيوسياسية قلبت المعادلة سريعًا.
وأعاد إغلاق مضيق هرمز بعد التصعيد العسكرى الأمريكى الإسرائيلى ضد إيران للأذهان أزمات النفط الكبرى، خاصة أن هذا الممر البحرى يمر عبره نحو خمسة إمدادات النفط والغاز الطبيعى المسال فى العالم. النتيجة كانت قفزة حادة فى أسعار النفط تجاوزت 120 دولارًا للبرميل، إلى جانب ارتفاعات قوية فى أسعار الغاز الطبيعى.
والخطير فى الأمر أن تأثير الطاقة لا يتوقف عند أسعار البنزين أو الكهرباء فقط، بل يمتد إلى كل شىء تقريبًا. تكلفة النقل ترتفع، وأسعار الغذاء تتأثر، والمصانع تتحمل أعباء إنتاج أكبر، ثم تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى المستهلك النهائى. وهنا تبدأ موجة تضخمية جديدة يصعب احتواؤها بسهولة.
الولايات المتحدة، رغم كونها أقل اعتمادًا على واردات الطاقة مقارنة بأوروبا وآسيا، بدأت بالفعل تشهد ارتفاعًا فى أسعار الوقود، مع زيادة الضغوط على المستهلك الأمريكى. أما أوروبا، التى تعتمد بصورة كبيرة على استيراد الطاقة، فتبدو أكثر عرضة للخطر، خاصة بعد أن عاد التضخم للارتفاع مجددًا فى عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى. كما يشير تقرير لبنك قطر الوطني.
وفى آسيا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن المنطقة تعتمد بشكل رئيسى على إمدادات الطاقة القادمة عبر مضيق هرمز، وبالتالى فإن أى اضطراب طويل فى الإمدادات يعنى ارتفاعًا أكبر فى تكاليف الإنتاج والنقل والغذاء، وهو ما قد يدفع الاقتصادات الآسيوية لموجة تضخم جديدة فى وقت لا تزال فيه بعض الدول تحاول التعافى من تباطؤ النمو.
لكن السؤال الأهم الآن: هل يعود العالم مجددًا إلى عصر التضخم المرتفع وأسعار الفائدة القاسية؟
الإجابة حتى الآن تعتمد على عامل واحد: سرعة استقرار أسواق الطاقة وعودة الإمدادات إلى طبيعتها. فكلما طال أمد الأزمة، زادت احتمالات استمرار الضغوط التضخمية، وتأجلت خطط خفض الفائدة، وربما عادت البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية من جديد.
وفى النهاية، يبدو أن العالم اكتشف مرة أخرى أن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، وأن أى صراع جيوسياسى فى منطقة حساسة للطاقة يمكنه أن يغير توقعات النمو والتضخم وأسعار الفائدة فى لحظات.
ويجب علينا النظر بعناية إلى ملف الطاقة خلال الفترة القادمة، وتأمين البلاد من الصدمات الخارجية، وهذا ما يدخل ضمن الصورة الأكبر للأمن القومى المصرى.
لمشاهدة المقال الأصلي أضغط هنا
الاشتراك في قناة الدكتور اضغط هنا
https://www.alwafd.news/5871358#





