توقعات أسعار النحاس تشير إلى وجود حيز إضافي للنمو

لطالما كانت أسعار النحاس أحد أكثر المؤشرات موثوقية لقياس سلامة أوضاع الاقتصاد العالمي، وذلك بفضل قدرتها الاستثنائية على استشراف اتجاه دورات الاستثمار والنشاط الصناعي. وفقا التحليل الأسبوعي لبنك قطر الوطني
وفي مقالات سابقة، كان فريق QNB الاقتصادي قد حدد مجموعة من العوامل الداعمة التي تشير إلى فترة مستدامة من ارتفاع أسعار النحاس.
وبوصول سعر النحاس إلى حوالي 6.20 دولار للرطل، فقد تجاوز أعلى مستوياته المسجلة منذ عدة سنوات.
ويركز التحليل الأسبوعي على العوامل الهيكلية التي تؤثر على الطلب على النحاس وحجم المعروض، ويُقيّم كيفية تطورها.
وعلى الرغم من الارتفاع اللافت في أسعار النحاس خلال السنوات الأخيرة، لا يزال هذا المعدن يتمتع بتقييم جذاب عند النظر إلى مساره التاريخي طويل الأجل.
فبعد تعديل الأسعار بحسب تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، تبقى أسعار النحاس أدنى بوضوح من ذروتها المسجلة في عام 2008 خلال دورة الارتفاع الفائق في أسعار السلع.
في تلك الفترة، أدت طفرة التوسع الحضري بقيادة الصين إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب الصناعي. وبينما حقق الذهب وعدد من المعادن النفيسة ارتفاعات كبيرة بالقيمة الحقيقية خلال السنوات الـ 15 الماضية، ظلت أسعار النحاس تتحرك بوتيرة متوافقة مع التضخم في الولايات المتحدة، ولم تتجاوزه.
ويشير ذلك إلى أن الأسعار الحالية لا تعكس بالكامل الزيادة الهيكلية في الطلب على النحاس. كما أن التكلفة المقبولة نسبياً لهذا المعدن تعني أن الاقتصاد العالمي لا يزال قادراً بدرجة ملموسة على استيعاب مزيد من الارتفاع في أسعاره.
ومن هذا المنطلق، تظل حجة تدني التقييم قائمة، بل ربما أصبحت أكثر قوة اليوم مع استمرار تأثير العوامل الداعمة للطلب.
ويظل التحول العالمي في مجال الطاقة أقوى العوامل الداعمة للطلب على النحاس وأكثرها استدامة على المدى الطويل.
تقنيات الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، تتطلب كميات من النحاس تزيد بمقدار يتراوح بين ضعفين وخمسة أضعاف لكل وحدة من القدرة الإنتاجية مقارنة بتقنيات توليد الكهرباء التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفوري.
كما أن تحديث شبكات الكهرباء، وتوسيع شبكات النقل، وزيادة تخزين البطاريات على نطاق واسع، وتطوير البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، كلها تتطلب كميات كبيرة من النحاس.
وتعتمد السيارات الكهربائية وحدها بشكل كثيف على النحاس، إذ تحتاج إلى ما يصل إلى أربعة أضعاف الكمية المستخدمة في السيارات التقليدية المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي، فضلاً عن الطلب الإضافي الناتج عن البنية التحتية للشحن.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه العوامل الداعمة للطلب لا تتأثر بشكل عام بتقلبات الاقتصاد الكلي قصيرة الأجل. فالأطر العامة للسياسات، والأهداف الوطنية لإزالة الكربون، والالتزامات المؤسسية المرتبطة بتحقيق التحول في مجال الطاقة، جميعها تدعم دورات استثمارية تمتد لعدة سنوات في قدرات إنتاج الطاقة المتجددة والبنية التحتية لشبكات الكهرباء في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
ومع تحول استخدام الكهرباء إلى قاسم مشترك في جميع مسارات إزالة الكربون الرئيسية تقريباً، يصبح دور النحاس أكثر أهمية بوصفه أداة تمكين للتحول في قطاع الطاقة، وعنصراً لا غنى عنه في هذا الصدد.
وأوضح QNB أنه إلى جانب التحول في مجال الطاقة، أدى الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى ظهور مصدر جديد ومهم للطلب على النحاس. فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للحوسبة عالية الأداء، ومرافق أشباه الموصلات المتقدمة، كلها أصول تستهلك الكهرباء بدرجة استثنائية.
ويزيد هذا الارتفاع في استهلاك الطاقة من الضغوط على شبكات الكهرباء، ويدفع شركات الخدمات العامة إلى توسيع قدراتها والاستثمار في أنظمة أكثر مرونة لنقل الكهرباء، وهي مشاريع تتطلب جميعها استخداماً مكثفاً للنحاس.
وبالإضافة إلى الشبكات، تُعد مراكز البيانات فائقة السعة بحد ذاتها مستهلكاً كبيراً للنحاس، بدءاً من المحولات والأسلاك ووصولاً إلى أنظمة التبريد والبنية التحتية للطاقة الاحتياطية.
ومع اتساع نطاق اعتماد الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، أصبحت مراكز البيانات واحدة من أسرع مصادر الطلب الإضافي على النحاس نمواً، ويُحتمل أن تضاهي مساهمتها السيارات الكهربائية على المدى الطويل. والأهم أن هذا المسار الجديد للطلب بدأ ينعكس للتو في التوقعات طويلة الأجل لأسعار النحاس، مما يشير إلى أن أثره الكامل على توازنات السوق لم يظهر بعد.
وفي حين يستمر الطلب في النمو على عدة جبهات، لا يزال جانب العرض في سوق النحاس مقيداً بعوامل هيكلية.
فقد ظل نمو إنتاج المناجم محدوداً في عام 2026، مع استمرار كبار المنتجين، ومن بينهم شركة كوديلكو، أكبر شركة تعدين للنحاس في العالم، في الأداء دون مستويات طاقتهم الإنتاجية الكاملة.
ولا يزال الإنفاق الرأسمالي في قطاع التعدين غير كافٍ مقارنة باستهلاك الأصول، مما يعني أن القطاع لا يستثمر بالوتيرة اللازمة لمواكبة نمو الطلب. ويتفاقم هذا النقص في الاستثمار بفعل الخصائص الهيكلية لتعدين النحاس نفسه، فمشاريع النحاس الكبرى تحتاج عادة إلى فترة تطوير تتراوح بين 10 و15 عاماً من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج الكامل.
ولذلك، فإن أي إمدادات إضافية كبيرة يتم اعتمادها عند مستويات الأسعار الحالية لن تصل إلى السوق قبل أوائل ثلاثينيات القرن الحالي على أقرب تقدير.
وفي غضون ذلك، اعتمدت المصاهر ومصافي التكرير على الخردة والمصادر الثانوية للحفاظ على مستويات الإنتاج، غير أن ذلك يظل آلية مؤقتة لسد الفجوة وليس حلاً هيكلياً. وبالتالي، فإن فجوة العرض لا تتقلص، بل تتسع.
بإيجاز، لا تزال الأسعار الحقيقية للنحاس أدنى من ذروة دورة الارتفاع الفائق المسجلة في عام 2008، وهو ما يعزز حجة تدني التقييم ويدل على وجود حيز ملموس لمزيد من الارتفاع.
وفي الوقت نفسه، ازدادت قوة العوامل الهيكلية التي تحدد آفاق أسعار النحاس. فالطلب ينمو عبر محورين رئيسيين، هما التحول العالمي في مجال الطاقة، وتطوير وتوسيع البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. أما العرض، فلا يستطيع مواكبة وتيرة النمو هذه، الأمر الذي سيعزز العجز الهيكلي خلال السنوات المقبلة.



