البنوك المركزية وأخطاء السياسة النقدية في مواجهة التضخم
ألقت موجة التضخم العالمية التي تصاعدت خلال العامين الأخيرين بظلال كثيفة على سياسات البنوك المركزية، وأعادت إلى الواجهة الجدل حول فاعلية استهداف التضخم كأحد أهم أطر السياسة النقدية المعتمدة عالميا.
فبعد عقود من النجاح النسبي في السيطرة على الأسعار، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام مستويات تضخم تفوق مستهدفاتها بأضعاف، ما كشف عن أخطاء في التقدير والتوقيت، وأثار تساؤلات حول كيفية تجنب تكرار هذه الإخفاقات مستقبلا.
أكد آندي هالدين، كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنجلترا في مقال سابق في مارس 2023 أن التجربة الأخيرة تشير إلى خطأين رئيسيين وقعا في السياسة النقدية.
الخطأ الأول تمثل في تأخر البنوك المركزية في تشديد السياسة النقدية، نتيجة سوء تشخيص موجة ارتفاع الأسعار، حيث جرى التعامل معها في بدايتها على أنها مؤقتة ومحصورة في قطاع الطاقة، قبل أن يتضح أنها ارتفاع واسع النطاق ودائم نسبيا.
أما الخطأ الثاني، فكان الاندفاع اللاحق لتعويض هذا التأخر، عبر تشديد نقدي سريع وقاسٍ، في وقت كان فيه الطلب العالمي يتباطأ، ما فاقم الضغوط على النمو الاقتصادي.
تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي
ما شهده العالم لم يكن مجرد صدمة تضخمية عابرة، بل تحول صعودي في مستوى الأسعار العالمية، مدفوعا باضطرابات عميقة في سلاسل التوريد نتيجة التوترات الجيوسياسية وتراجع العولمة.
فقد أصبحت سلاسل الإمداد أكثر تجزؤا وهشاشة، خاصة في ما يتعلق بإمدادات الأيدي العاملة والمهارات، ما أدى إلى ضغوط تصاعدية على الأجور والأسعار، وارتفاع معدلات التضخم الأساسي بشكل ثابت.
ويعد هذا التحول انعكاسا معاكسا لعصر العولمة الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، حين أسهمت سلاسل التوريد الممتدة في كبح التضخم داخل اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو.
غير أن إصلاح هذه السلاسل وإعادة هيكلتها يحتاج إلى وقت طويل، ما يعني أن الضغوط التضخمية قد تستمر لسنوات وليس لفصول قصيرة.
مأزق صناع السياسة النقدية
تضع صدمات العرض العالمية المستمرة البنوك المركزية أمام خيارات صعبة. فإما القبول بمعدلات تضخم أعلى من المستهدف لفترة ممتدة، أو الاستمرار في رفع أسعار الفائدة لمواجهة ارتفاع الأسعار، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي. وقد أظهرت التجربة أن المبالغة في أي من الاتجاهين تؤدي إلى نتائج سلبية، سواء من حيث فقدان المصداقية أو إلحاق ضرر غير ضروري بالاقتصاد.
خيارات مرنة لتجنب أخطاء المستقبل
يرى عدد من الاقتصاديين أن الحل الأمثل لا يكمن في تغيير مستهدفات التضخم نفسها، بل في استخدام المرونة الكامنة داخل إطار استهداف التضخم.
ويشمل ذلك إطالة الأفق الزمني لعودة التضخم إلى مستواه المستهدف بشفافية، أو حتى تعليق المستهدفات مؤقتا في حال استمرار الارتفاع العالمي للأسعار، مع التعهد بالعودة إليها لاحقا.
هذه المرونة من شأنها حماية الاقتصاد في المدى القصير، مع الحفاظ على ارتباط التضخم بالمستهدف على المدى المتوسط، بما يعزز مصداقية البنوك المركزية ويجنبها الوقوع في أخطاء نقدية صغيرة قد تتحول مستقبلا إلى أزمات كبرى.
خاتمة
في ظل ارتفاع التضخم العالمي وهشاشة التوقعات، يصبح التمسك الجامد بالمستهدفات أو تعديلها جذريا خيارين محفوفين بالمخاطر.
ويظل المسار الأوسط، القائم على المرونة والانضباط المشروط، هو الخيار الأكثر واقعية لتجنب تكرار أخطاء السياسة النقدية، وضمان تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي.
اشتراك في قناة صباح البنوك اضغط هنا
انضم لقناة التليجرام اضغط هنا
التعرف على أداء البورصة يوميا وأفضل الأسهم اضغط هنا
المزيد من الأخبار عن البنوك والفائدة وافضل الشهادات اضغط هنا




